الصفحة الرئيسية
من أنا
مقالات أخرى
الله يرحم أيامك يا سيفول
إن أحد أهم أهداف الأنظمة في أي مكان وأي زمان هو حفظ الحياة الكريمة للإنسان وحفظ كرامته ، وإن وجد الخلل في النظام أو وجدت ثغرات الأنظمة ، فالحكمة تقتضي تعديل هذه الأنظمة بما لا يخل بالهدف الرئيس ، وليس الهدف هو وضع النظام إنما هو غرض وإنما الهدف هو حفظ الكرامة لجميع المستفيدين من النظام ، ولحسن ظني بجميع أنظمتنا والقائمين عليها فإنني أؤمن بأن هذا الهدف السامي خلف ما يضعونه من أنظمة لتحكم أمورنا الحياتية.

أكتب هذه المقدمة وأنا أمر بإحدى فترات المعاناة التي قد تزعزع هذا الإيمان ، فالوضع الحالي عجيب ، والأعجب إستمراره لسنوات عديدة من دون حل ، وهو وضع لا يضر بمصلحة أفراد قلائل يدخلون تحت مظلة الأفضلية للجماعة ، ولكنه وضع يضر بمصالح أفراد عدة ، ويهدد مصالح أسر ، ويستهزىء بأنظمة دولة ، ويخل خللا شديدا بأمنها الداخلي ، وكوني أمر بهذه المعاناة لا يعني أني أود تهويل الأمر أو أن الأمر يحدث لي فقط ، فهي معاناة سمعتها عند أخواني ، وعند الجيران ، وزملاء العمل ، وفي المناسبات الاجتماعية ، وفي الجرائد.

المعاناة في أصغر صورها هي السائق الأجنبي ، وفي أعظم صورها هي تسيب العمالة ، السائق الأجنبي الذي يدخل بيوتنا ، ويعلم أسرارها ، ونأمنه على أهلينا ، وأطفالنا ، وأحيانا يعلم ما لا نعلمه من أمور بيوتنا! هذا السائق فرضه علينا النظام ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، والأسباب عديدة لعل أهمها ما سد النظام من الذرائع وحاربته جهات عدة وهو سواقة النساء للسيارات ، وتدخل ضمن قائمة الأسباب تباعد المسافات بين المنافع وأماكن السكنى والنظام العشوائي للتوزيع السكاني داخل المدن وخارجها والعديد غير ذلك ، المهم أننا أصبحنا مسيرين غير مخيرين لوجود هذا العنصر كأحد أفراد العائلة ، وأصبح وجوده مصلحة مرسلة غير منقطعة تمنع مصيبة (أو مجموعة من المصائب) من ضمنها التأخر المستمر عن العمل مما قد يتسبب بالفصل ، أو عدم السفر نهائيا للتدريب أو الإجتماع ، أو التوقف عن الدراسة للأبناء والزوجات معا.

وبحسابات الضرورة ، والضرورات تبيح المحظورات ، فإننا أخترنا أن نمنح هذا السائق أمانة تكل أكتافنا منها ، ونحمله مسؤولية ونحن لاندري قدرته على تحملها ، فالإختيار عشوائي ، والتنظيم عشوائي أيضا ، وذلك حسب النظام! تتقدم للحصول على تأشيرة ، ثم تبحث عن مكتب إستقدام ليستقدم شخص أجنبي لم يكن لك أي علم به أو بسيرته الشخصية أو بقبيلته أو بأي من أقاربه ، ولا تعلم صدق بياناته بخلوه من الأمراض أو السوابق ، ولا تعلم حتى مدى معرفته بسواقة السيارات أو حتى سواقة الفيلة ، كل ما تستطيع أن تضمنه هو جنسيته فهي الأساس المحدد للتأشيرة ، وعنصره الجنسي المميز وهو الذكورة ، فهي الرخصة الحقيقية المسموح لها بالقيادة حسب النظام! وهي الرخصة الدينية المرجحة للعقل حسب الفتاوي الشرعية.

وإذا كنت من المحظوظين البارين بوالديهم ، يأتيك سائق يعينك في مهامك ، أما إن كان أحد والديك قد دعا عليك (وهذا هو السبب المرجح لخيبات الأمل عندنا) ، فتجري رياح السائقين بما لا تشتهي سفنك ، فيأتيك من الغيب ما لست به عليم ، ومن ذلك أن السائق لا يعلم من سواقة السيارات إلا بقدر علمك بسواقة الفيلة ، ومن ذلك أن يكون من أصحاب الأخلاق "الضيقة" فلا يقبل منك أقل من كلمة "ياسيدي" عند حديثك معه ، أو وهي أم المصائب- أن يكون من أصحاب المخيلات الجامحة والخطط المسبقة فينتظر أن تقدم له مشكورا أوراق إقامته ورخصة السواقة ومن ثم يغادرك إلى غير رجعة الى علم الله من سوق السائقين ، وتبقى "ياسيدي" محسورا مكسور الوجدان تعض يد الندم على ما فاتك من رضى والديك!

لك بعد ذلك أن تتخيل أن النظام سوف يحميك ويأتي إليك بالهارب الجامح أو ببديل عنه ، ولكن النظام لا يقبل منك غير التبليع بالهروب ومعاودة الكرة بنفس التكاليف التي تحملتها سابقا بلا إستثناء ، بل انه يحملك تكلفة مغادرة السائق الهارب اذا تم القبض عليه خلال فترة الأشهر الثلاث الأول من بلاغك ، إلا أنه ولحسن حظ الأغلبية ، فإن ذلك نادرا ما يحدث!

ولأن هذا ما يتيحه النظام ، فإن هناك أنظمة أخرى غير مكتوبة بإمكانك اللجوء مباشرة إليها ، والضرورات تبيح المحظورات ، ومن ضمنها الحصول على سائق من سوق السائقين المحلي برخصة سواقة وإقامة محلية أو بدون حسب الرغبة وبتكلفة يتم الإتفاق عليها مباشرة مع السائق ، وبالطبع فإن أي راتب تتفق عليه مع هذا السائق هو بالطبع أعلى من أي راتب موجود في عقود السائقين المستقدمين "نظاميا" ، ثم وبحسابات الضرورة ، تتيح لهذا الذي لا تربطك به أي علاقة عقدية مكتوبة ، بحمل المسؤولية والأمانة التي من المستحيل أن تقوم بها وحدك.

ورغم خطورة هذا الإجراء ومخالفته للأنظمة المكتوبة ، فإن حسابات الضرورة أقوى من أي حسابات أخرى تعلمتها في المدرسة أو الجامعة أو في سوق الخضرة ، هذه الحسابات ترغمك على أن تخالف النظام المكتوب وتلجأ الى استعطاف اصحاب القلوب الرحيمة من السائقين المخضرمين المقيمين ببلدك من جميع الجنسيات المسجلة بالأمم المتحدة للعمل لديك بالسعر الذي يرضيهم وليس الذي يرضيك ، ففي النهاية انت صاحب الحاجة والطلب أعلى من العرض ، ولك ان تتحمل أيضا مساومة هذا السائق للحصول على علاوة كلما أتته عروض أخرى ، وقانون العرض والطلب هو أساس السوق المفتوح كما علمونا في مبادىء الإقتصاد.

وللعلم يدخل من ضمن العرض المقدم للسائق تحمل السكن والغذاء ، كما يدخل من ضمنه تحمل أي مخالفات تسجل مباشرة على لوحة السيارة ، و يدخل ضمن العرض تحمل تكاليف الحوادث في حالة عدم شمول التأمين وتحمل إصلاحات السيارة والتكاليف المباشرة للسيارة من الوقود وقطع الغيار ،بل قد يتطلب الأمر العثور على وظيفة مناسبة للزوجة زوجة السائق- في أحد البيوت القريبة ، وليس لك "ياسيدي" مفر ، فإما ذلك وإما الخيارات المذكورة في أول المقال.

ولإعطائكم لمحة عن المعاناة التي مررت بها ، فسيفول يا سادة يا كرام هو أحد هؤلاء السائقين الذين أضطرتني الأيام أن أستفيد من خبراتهم لتقويم مسار حياتي المعوج ، ولشدة غبائي فقد ألغيت عقده غير المكتوب بعد شهرين من عمله معي وذلك بسبب تكرار تسببه في حوادث كلفتني أعباء مالية إضافية ، وجعلتني أتخوف على أرواح البشر ومن ضمنهم أهلي وأبنائي ، إلا أنني بعد ذلك أضطررت للبحث والإتصال بكل المعارف وغير المعارف ، حتى أنني قد توقفت لسؤال بعض بوابين العمارات وأئمة المساجد ، وأرسلت الى جميع من في ذاكرة كمبيوتري برسائل إليكترونية أرجو المساعدة ، وكان من المضحك المبكي فعلا أن أتلقى العديد من الإتصالات من سائقين محليين ، بعضهم تندر علي عندما عرضت راتبا إعتقدت أنه مناسب ، والبعض الآخر لم يعاود الإتصال بي ، وآخرهم قبل العمل ثم ترك سيارتي والمفتاح داخلها أمام الباب ورحل إلى غير رجعة ، مع العلم بأنني في قد قبلت جميع شروطه ولم أرفض له طلبا ولم أتجرأ على المفاوضة على الراتب الذي طلبه!.

وهذا ما تحدثت عنه قبلا بحفظ النظام لكرامة الإنسان ، فقد وصلت بنا المواصيل أن نتقبل أي شروط تنطلي علينا من قبل فئة السائقين ، ثم نقدم لهم على طبق من ذهب عرضنا وأهلينا طالبين تفضلهم بحفظها لنا ، وليس لنا حق النقاش أو الجدال ، ففي النهاية الضرورة تعبىء الأفواه بالماء ، وهو ماء مر لايبلغ الحلق ولا يخرج من بين الشفاه ، فإما ذلك وإما الإعتماد على راتب الزوجة والعمل سائقا لها والأبناء ، وبالنظام!

ملحوظة مهمة : كل ما تم التحدث عنه هنا هو في دولة كرخوزيا الواقعة في الشمال الغربي للقطب الشمالي وليس له أي دخل بأي نظام مكتوب أو غير مكتوب لأي دولة عربية أو خليجية!



حسام عابد أندجاني

في 15 ديسمبر 2008م
في 17 ذو الحجة 1429هـ