الصفحة الرئيسية
من أنا
مقالات أخرى
رحلاتي
قابلت وتعلمت

في كل رحلة من رحلاتي ألتقي بأناس كثيرين ، عشرات أو مئات من الأشخاص يمرون كالأطياف أمامي لا يبقى من مرورهم شيء في ذاكرتي ، ومنهم من يرتكز في عمق الذاكرة لا أدري لماذا ، ومنهم من أتحدث معه فلا أنساه ومنهم من تمنيت لو لدي ماسحة للذاكرة لأمسحه من تاريخي ، ومن فوائد السفر أن يتعرف المسافر على شخصيات مختلفة بعيدة عن مجتمعه ، بعيدة عن نفس المدرسة المجتمعية التي أنتجت نفس التفكير الجمعي الذي قد يراه الإنسان طوال عمره ، تقابلت مع الكثير وتحدثت مع الكثير وتعرفت على الكثير ، إخترت لكم هنا ثلاثة بقوا في ذاكرتي ، أثّروا فيّ وأثْروا خبراتي بمعرفتهم:

الصياد الحكيم:

في رحلة بين النرويج والسويد رتبها صديق نرويجي على الدراجات النارية ، وبين طرق تعبر الغابات حينا والسهول حينا آخر وبمحاذاة أنهار جارية وبحيرات صافية ، وصلنا في وسط تلك الغابات إلى نزل جميل على طرف النهر ومحاط بأشجار باسقة تسمح بالقليل من أشعة الشمس التي ترصدنا من خلفها ، كوخ كبير وبجانبه أكواخ صغيرة تجاور النهر ، أوقفنا دراجاتنا وأنزلنا متاعنا وتوجهنا إلى غرفنا التي كانت في الكوخ الرئيسي ونزل صديقي النرويجي في أحد الأكواخ الصغيرة ، دخلت إلى الكوخ الخشبي الكبير لأجد بهوا كبيرا مفتوح على بهو آخر بنفس مساحته وجميع الجدران معلق عليها رؤوس حيوانات محنطة ، غزلان من جميع الأحجام ، ظبيان ، ووعول ، ومجسمات لحيوانات محنطة بالكامل منها دب وذئب ، يكاد لا يبقى مكان لرأس جديد بين هذه الرؤوس المحنطة.

بعد قليل من الراحة نزلنا للعشاء ، وكان مضيفنا هو نفسه مالك المكان وبنفسه مع زوجته العجوز يقومون بخدمتنا ، سألته ألا تأكل معنا فقال أنه سبقنا لكي يتفرغ لخدمتنا ، رجل وقور في السبيعنات من عمره ، كان يخدمنا ويحكي بلغة إنجليزية طليقة عن رحلاته للصيد حول العالم التي جمع منها كل هذه الرؤوس المحنطة ، حكى لنا عن مغامرات في أدغال أفريقيا وفي سيبريا وشمال روسيا وفي شمال السويد والنرويج ، كان يحكي بمتعة وبتشويق ونحن نتعشى ونستمع ، عشائنا الشهي كان بعضا من لحم غزال من صيد يديه مع مربى من التوت البري الذي جمعته زوجته من الغابة وخضروات طازجة من مزرعتهم ، مزيج غريب ولكن لذيذ.

سألته عن عمله ، حكى لي أنه بدأ حياته جندي في الجيش النرويجي ، كان يعمل في سلاح الدبابات وكانت وظيفته هو وزميل له أن يقوموا بحشو القذائف في المدفعية داخل الدبابة قبل الإطلاق ، يقول كنا في حفل إستعراضي في مناسبة وطنية وكان لدينا بعض القذائف التي يجب أن نطلقها خلال مرورنا أمام المشاهدين ، حشونا القذيفة وأخطأنا إقفال المدفع فأرتدت القذيفة علينا داخل الدبابة وأنفجرت ، نقلت إلى المستشفى وأمضيت شهورا عدة في العلاج ، وكان من أثرها أن فقدت السمع في إحدى أذني مع إمتلاء كلا رئتي بالكربون الأسود فأصبحت لا أستطيع التنفس إلا بصعوبة ويجب أن أخضع لجلسة أوكسجين يوميا ، كما أصبت بفقد الإحساس في أعصاب يدي فلا أستشعر أي شيء فيهما ، سُرحت بعدها من الجيش بسبب الإصابة فقررت الدراسة وحصلت على عدة درجات أكاديمية كانت آخرها درجة بروفيسور في التربية ، ومن آثار تلك الحادثة المشئومة أصبت قريبا بضعف القلب وبالسكر.

رغم كل ما مر به وكل صعوباته جاب العالم صيادا ، وأختار هذا المكان داخل الغابة ليبني فيه هذا النزل ليستشعر الزائرين جمال الحياة في داخل الغابة وداخل أسوار الطبيعة ، يحكي لي فيقول لقد بنيت هذا المكان عتبة عتبة ، كما بنيت حوضا لأسماك السلمون على ضفة النهر ، وكوخا صغيرا كعرزال محاط بالزجاج من جميع النواحي للإستمتاع بالطبيعة في الخارج ، يقول تمر بنا الذئاب أحيانا في الليل وأشاهدها داخل أسواري إلا أن القانون يمنع منعا باتا التعرض لها أو قتلها ولذلك لا أرعى أغناما عندي حتى لا أجذبها ، بعد إنتهاءنا من العشاء سألني هل تحبون الإستماع إلى الموسيقى ، أجبت بنعم ، فتناول أكورديون وبدأ يعزف ويغني أغاني نرويجية ، كان يوجد جيتار ومجموعة طبول وبيانو وأخبرني أنه يعزف عليها كلها ولكنه يفضل الأكورديون ، على تلك الأنغام الجميلة قام صديقي النرويجي وزوجته ليقدموا لنا رقصة شعبية.

إستمتعنا جدا تلك الليلة ، جلست بعدها اتحدث معه عن حياته ، قال لي لقد مررت بالكثير من المآسي والصعوبات ، وأعرف أنني قد أموت في أي لحظة بسبب متاعبي الصحية ، إلا أنني لم أفقد أبدا إحساسي بالحياة وإقبالي عليها ، أستضيف في هذا النزل الكثير من الناس لكي أستمتع بالحديث معهم وأرشدهم للإستمتاع بالحياة ، لا يعرف المرء قيمة هذه الحياة إلا عندما يستشعر الموت في كل لحظة ، كما أنني أستضيف الأطفال من المدارس بالإتفاق مع الحكومة ، أقوم بإرشادهم على كيفية الحياة في الغابة بعيدا عن المدينة وماهي واجباتهم إتجاه الطبيعة الأم ، وأقوم حاليا بكتابة كتاب عن التربية الحديثة وما نحتاج أن نزرعه في أبناءنا والأجيال القادمة من القيم والأفكار.

مضينا كلٌ إلى غرفته وصحونا في الصباح الباكر لنجده قد إستيقظ قبلنا ويقوم بخدمتنا خلال الإفطار ، رجل يحمل جميع هذه الشهادات ويصر على خدمتنا بكل تواضع ، وبينما كنا نتجهز للمضي جاءني وقال لي لاتنسى ما تحدثنا عنه البارحة ، أُنظر إلى جمال هذه الدنيا وأستمتع بما خلقه الله فيها ، لا تجعل أمورك اليومية تغفلك عن جمال ما حولك ، شكرته كثيرا وعبرت له عن إمتناني لكلماته وسعادتي للقاءه ، كان شخصية بالفعل لا تنسى.

نصيحة سائق الأجرة:

أمريكا بلد العجائب ، ما تراه وتجده وتتعرف عليه لا تجد مثله في أي بلد آخر ، المكان مدينة دالاس في ولاية تكساس في رحلة عمل ، أختلست بعض وقت فراغي لأشتري قطع غيار لدراجتي النارية ، بعد إنتهائي طلبت سيارة أجرة عن طريق تطبيق أوبر ، حضرت سيارة فارهة موديل لكزس جيب وخرج منها رجل ستيني في هيئة وقورة ، رجحت أصوله من الهند ، كان يحمل الصناديق إلى داخل السيارة وأنا أساعده ، ركبت في المقعد الخلفي وأنا متعجب ، سالته: هل حقا هذه سيارة أجرة؟ أجاب وهو يضحك نعم يا سيدي ، وكعادة الأمريكان في حبهم للكلام بدأ يحكي لي أنه أيضا من هواة الدراجات النارية وأنه يملك أربعة دراجات نارية وقد قام قبل عام برحلة مع مجموعة من أصدقاءه من الساحل الشرقي للساحل الغربي على الدراجات النارية.

كان كلما يحكي لي يزيد تعجبي ، وعندما وجدني في قمة تعجبي بدأ يحكي لي عن قصته ، هاجر من الهند في بداية شبابه ووصل إلى نيويورك التي عمل فيها في أسهل عمل للمهاجرين الجدد وهو سائق أجرة ، يقول كنت أوفّر المال ولم أتزوج مبكرا ، بعد عدة سنوات قررت إستثمار المال الذي لدي وأفتتح محلا لتجارة الذهب ، تجارة المصوغات الذهبية في نيويورك يسيطر عليها الأمريكان من أصل هندي ، نجحت تجارته وتوسعت أعماله ، في عدة سنوات لاحقة أصبح يملك عشر محال لتجارة المصوغات الذهبية والمجوهرات ، قرر الدخول بعدها في تجارة جديدة وهي محال بيع كل شيء بدولار ، هي محال لبيع الخردوات والأمور الصغيرة بأسعار رخيصة جدا ، يقول بعد فترة أصبحت أملك عشرة متاجر أيضا بالإضافة لمحال الذهب ، وكنت قد تزوجت وبدأ أبنائي بالرحيل لجامعاتهم ، قررت التقاعد وبعت جميع ما أملك وأبقيت أموالي في البنك وأنتقلت للعيش هنا في دالاس.

بعد التقاعد وجد نفسه يعيش حياة رتيبة ليس فيها تغيير ، نصحني بنصيحة ثمينة ، يقول لا تتقاعد مثلي ، إعمل في شبابك وخطط لتقاعدك ، لقد وجدت نفسي أنا وزوجتي فقط وليس لدينا أو حولنا أحد ، بعد فترة أحسست بالملل الشديد وزادت مشاكساتي لزوجتي ، قررت أن أجد شيئا أتسلى فيه وأخرج خارج المنزل ، سمعت عن هذه الشركة أوبر ، ذكرتني ببداياتي في أمريكا ، فسجلت فيها سيارتي وصرت أخرج يوميا لرحلتين أو ثلاث ألتقي فيها بالناس وأتحدث معهم ، أنا اليوم سعيد جدا أنني ألتقيت بشخص لديه مثل هوايتي ، توقفنا عند فندقي ونزل معي وتحدثنا ثلاثون دقيقة أخرى عن الهواية وعن الرحلات والسفر ، كان شخصية مذهلة رغم كبر سنه فهو مازال يتمتع بصحته ويسافر كل فترة ليقطع الولايات الأمريكية على دراجته النارية.

فخامة الرئيس:

في أحد أيام ميونخ الشديدة البرودة من شهر ديسمبر ، الثلج يغطي أرجاء المدينة وجميع ما حولها ، دُعينا إلى إفطار في منزل فخامة الرئيس الأندونيسي السابق بحر الدين يوسف حبيبي ، الرئيس الثالث للجمهورية الأندونيسية منذ إستقلالها ، وهو الرئيس الذي خلف الجنرال القوي سوهارتو الذي إستمر حكمه لمدة 30 عاما.

الرئيس حبيبي درس هندسة الطيران في ألمانيا وعاش فيها وحصل على درجة الدكتوراة من جامعاتها وعمل لفترة طويلة فيها ، ثم عاد إلى أندونيسيا ليعمل وزيرا ثم نائب رئيس ثم رئيسا للدولة لفترة مؤقتة ، خلال فترة وزارته أشرف على صناعة أول طائرة أندونيسية بالتعاون مع شركة أسبانية ، ثم وضع المخططات الكاملة لصنع أول طائرة أندونيسية بالكامل إلا أن الأزمة الإقتصادية التي ألمت بدول شرق آسيا عام 1997م لم تسمح له بإكمال مخططاته ، ولكنها تسببت بتنحي سوهارتو عن الحكم وتنصيبه حاكما لأندونيسيا في أكثر أوقاتها المتأزمة ، بعد ترتيبه لعدة أمور في بلاده وتجاوزه الأزمة وإعادة صياغة دستور البلاد ليكون أكثر ديمقراطية ، قرر إجراء إنتخابات رئاسية ولم يوفق في الفوز فيها وأصبح أول رئيس يهزم في الإنتخابات ويغادر كرسي الرئاسة ديمقراطيا.

بعد الرئاسة لم ينس حلمه في بناء الطائرة الأندونيسية ولكنه لم يستطع الحصول على دعم حكومي من الحكومات المتلاحقة ، ثم إستطاع مؤخرا إقناع الحكومة والحصول على الدعم المطلوب وكان أن طلب الإجتماع بشركتنا للتباحث في أمر التعاون الهندسي لبناء الطائرة الحلم ، وكان إجتماعنا في بيته في أحد أفخم أحياء ميونخ.

الرئيس حبيبي يعتبر أحد الرموز المهمة في صناعة الطيران والمؤثرة في تاريخ بلاده ، زرت أندونيسيا في سنة 2009م في رحلة عمل وشاهدت الطائرة التي أشرف على صناعتها وتجولت في داخل المصنع وقابلت مدراء الشركة ، كما أطلعت على نموذج للطائرة الأخرى التي كان يود صناعتها والمخططات المبدئية ، كانت بصمته متواجدة في كل شيء.

إستقبلنا الرجل الثمانيني الوقور مع إبنه الذي يحمل شهادة الدكتوراة أيضا في الهندسة ومع مجموعة من المرافقين ، ودعانا لطاولة الإفطار حيث تناقشنا عن التعاون المشترك المتوقع بيننا ، بعد الإفطار وشرب القهوة أهدانا لكل واحد منا نسختين من كتابه "حبيبي وعين" وحصلت على توقيعه على أحدهما ، ونسخة من الفيلم السينمائي الذي صور مبنيا على قصة الكتاب ، وغادرنا للحاق بالمطار لموعد عمل في فرانكفورت.

تشوقت جدا لقراءة الكتاب ووجدته فعلا كتاب رائع ، يحكي قصة كفاحه منذ الصغر ، نشأته يتيما وأمه التي ربته مع إخوته وحدها وأرسلته إلى ألمانيا ليكمل دراسته ، ثم زواجه من الطبيبة هاسري عينٌ بيساري أو عينٌ كما يطلق عليها وحياتهما سويا في فقر مدقع ، كان يصحو من الساعة السادسة صباحا يوميا ليمشي حتى مقر عمله الذي يبدأ الساعة الثامنة ويخرج منه الساعة الخامسة لينطلق إلى الجامعة ليعمل في وظيفة أخرى هناك ثم يرجع ليلا في العاشرة ليعمل على رسالة الدكتوراة حتى الساعة الواحدة صباحا كل يوم ، حملت زوجته وأنجبت إبنهما البكر في تلك الأيام وتحملت تربيته بينما حصل هو على الدكتوراة ، رافقته بعد ذلك في رحلته وكانت خير المعين ، وعند عودته لبلاده بعد سنوات عديدة رافقته وعملت في عدة مشاريع خيرية وكانت رمزا للعمل الخيري في البلاد ، بعد تركه الرئاسة سافرا معا في عدة رحلات حتى مرضت وتوفيت في ألمانيا خلال رحلة علاج ، يحكي في كتابه عن نقل جثمانها إلى أندونيسيا وكيف فوجىء بالأعداد الهائلة التي حضرت مراسم دفنها لمحبتهم لها ، عانى لعدة سنوات بعد وفاتها وكان لا يتحدث مع أحد فنصحه الأطباء بالكتابة عن حياته معها وعنها ، فكتب كتابه المؤثر والجميل ليحكي قصة وفاء وحب ومثابرة وكفاح بين زوجين إستمرت أكثر من أربعين عاما.

من قصة كفاح فخامة الرئيس في كتابه ومن التعرف عليه شخصيا تعلمت الكثير ، النجاح ليس هينا أبدا ، وبقدر العمل تؤتى الثمار ، ولا يفنى الحب بعد الزواج كما يصوره بعض الرواة بل إن بعض الحب يعيش ويبقى ويعمّر وينتج ذرية صالحة وقصة تروى لأجيال عديدة.


العنصر المشترك في كل هذه الشخصيات هو التواضع ، لم أجد أو أعرف شخصية لديها مخزون كبير من الحكمة والعلم والخبرة بالحياة إلا وتزينت بالكثير من التواضع..


حسام عابد أندجاني
في 4 جمادى الثانية 1439هـ
الموافق 20 فبراير 2018م



حسابي في تويتر

@hosam_andijani