الصفحة الرئيسية
من أنا
مقالات أخرى
حكاية
كم وددت أن أحكي هذه الحكاية يوما ، وكم وددت أن أستجمع أفكارا صافية ومشاعر صادقة لأحكي الحكاية بدون أن تختلط مشاعري معها وتتبعثر أفكاري قبل روايتها ، وليست الحكاية بذلك التعقيد الكبير في سردها ، فبساطة البطلة تبسِّط الحكاية ولكن تزيد من عمقها ، على الأقل في داخلي الممتلىء بالمشاعر إتجاهها.

الحكاية فيها الكثير من العبر ، فتحقيق الإنجاز هو الفائدة الأولى لقارئها ، والبذل السخي من أجل تحقيق هذا الإنجاز هو مثل يقتدى ، والإنجاز في حد ذاته يختلف النظر إليه من زاوية وأخرى ، إلا أن الجميع يتفق على أن الإنسان الذي يضع هدفا أمام عينيه بغض النظر عن سهولة هذا الهدف أو صعوبته ، ويبذل الكثير لأجل هذا الهدف ثم يراه يتحقق هو إنجاز ، ولبطلة الحكاية هنا هدف سام تحقق ببذل الكثير منها ، ولم يكن الهدف سهلا بمنظور المحيطين منها.

كما أن الحكاية في أسمى معانيها تعلم البذل من أجل الآخرين ، والعطاء اللامنتهي واللامحدود ، بدون إنتظار المردود ، وتلك في أعين البعض تجارة خاسرة ، إلا أن بطلة هذه الحكاية كانت واثقة من عطائها ، ومصممة على أن ترى النتائج حتى وإن كان المردود ليس لها ، وذلك حقا قمة العطاء والبذل.

وفي الحكاية تعلم المسئولية ، فإحساس البطلة بالمسئولية اتجاه محيطها هو درس كبير لكل المبتدئين في تحمل المسئولية ، ورغم المشاكل الكبيرة التي مرت بها ، والعواصف التي ضربت محيطها ، إلا أنها لم تتخل يوما عن مسئوليتها - كما في الحكاية ولم تتمرد على واقعها وظروفها ، بل واجهت كل شيء لأجل الهدف الذي وضعته أمام عينيها ، وحاربت من أجل إثبات قضيتها.

ومن بطلة الحكاية نتعلم الأدب الجم والوقار الراقي ، فهي في جميع مواقفها لم تقم بحل مشاكلها إلا بوقار الشيوخ ، وأدب العلماء ، فبالرغم من كل ما مر بها إلا أنها بقت عالية الإحترام بين أفراد مجتمعها ، ولم يتجرأ أحد أن يقلل من شأنها ، ولم تقم هي يوما بالإقلال من شأنها بالخروج عن نص الحكاية ، بل أستمرت في نسق متكامل كأنه قصيدة شعرية جميلة مترابطة ومتراصة.

ومن البطلة نتعلم البساطة الشديدة وهو الطبع الطاغي عليها طوال مجرى الحكاية ، ولا تجد في كل سطور الحكاية أي مؤشر لكبر أو تعالي في تصرفات البطلة وفي تعاملها مع مجتمعها المحيط ، بل لقد إستمرت بنفس طبعها رغم الظروف القاسية التي مرت بها وتمسكت بقيمها كما تتمسك الجبال بصخورها الأساس.

ويطغى على الحكاية الكثير من المشاعر المتدفقة و العواطف العطرة ، فما تقدمه البطلة لمن حولها وماتشعرهم به هو كمية كبيرة من الحب والوفاء والحنان الأمومي الذي صاغها بها خالقها ، إلا أنها قد أضافت جماليات الى هذه المشاعر فجعلت نتاجها جمال لامنتهي وفيض من نهر من العواطف والمشاعر ، تصيغ بها قالبا لمن يأتي بعدها ليتعلم منها.

ولعل أجمل الدروس في الحكاية هو التسامح النادر للبطلة ، فهي مازالت تقدم الدعاء الصادق والمحبة الصافية لكل من هم حولها حتى من سبق أن أساؤا إليها ، فقلبها الطيب قد إتسع لكل هؤلاء بدون حجر على أحد وبدون تذكير بأفعال أحد وبدون منة على أحد.

وأكثر ما يميز هذه الحكاية عن غيرها ، أنها قصة حقيقية وواقع ملموس ، بل أن البطلة هي أول رواتها ، بدون أن يكون من أهدافها التفاخر بما حققته ، بل هي بساطتها المتطبعة فيها ، وطيبة قلبها.

الحكاية حكاية إمرأة نادرة ، والبطلة هي أمي ، تلك التي علمتني الكثير ولكن لم تعلمني أبدا كيف الحياة بعيدا عنها ، وكيف أتحكم في إشتياقي لقربها ، وكيف الصمود أمام مشاكلي بدون دعائها ، فتبقيني في مصيبة كبيرة إذا أرتحلت ، وأبقى أنتظر رجوعها كما كنت في سني الأولى ، أبكي وأستنجد بمن حولي علهم يأخذوني عندها.

..أعادك الله بالسلامة إلي يا أمي



إبنك/ حسام عابد أندجاني

في 7 مارس 2009م
في 10 ربيع الأول 1430هـ