الصفحة الرئيسية
من أنا
مقالات أخرى
رحلة سعيدة
الثلوج تهبط منذ الصباح الباكر ، حبات صغيرة كأنها من القطن ، تنزل إلى الأرض في تراتب عجيب ، كأن كل واحدة منها تعرف تماما أين مكان سقوطها ، فتنزل ببطء وعلى مهل مستسلمة إلى مصيرها الأخير ، تتجمع فوق بعضها مكونة غطاء أبيضا يلف كل شيء ، ويسود لونها الأبيض فوق كل الألوان الأخرى للمدينة ، المباني تدثرت ببطانية بيضاء فوقها كأنها تحتمي بها من البرد القارص ، على النهر ترى بعض الوز ، يخبيء رأسه تحت أجنحته كأنه سأم النظر إلى جمال الطبيعة من حوله ، الناس في الشارع متجهين إلى أعمالهم في خطوات سريعة متدثرين جميعا بالملابس الثقيلة والداكنة كي تميزهم من بين البياض الكئيب بسبب الأشعة الخجولة للشمس المختبئة

السيارات تسير في مسارها بحرص شديد ، كأن كل منها مرتبط بالأرض بسلك خفي أو مغناطيس يمنعها من الإنزلاق والخروج عن مسارها ، تضيء الإشارة بالضوء الأحمر فيقف الجميع وقبل مسار المشاة ، تعود إلى لونها الأخضر فيسير الجميع بدون إزعاج وتنبيهات ، لايخرج أحد عن مساره رغم وجود مسار إضافي في المنتصف بين المسار الذاهب والمسار القادم ، ورغم عدم وجود رصيف في المنتصف

وصلنا المطار وأمام المدخل مباشرة توقفت سيارة الأجرة ، طلبت إيصالا من السائق فقام بطباعته من جهاز إحتساب الأجرة ، جميع سيارات الأجرة هنا تلتزم بإستعمال الجهاز ، دفعت الأجرة وخرج السائق مباشرة لينزل حقائبي من الصندوق الخلفي على رصيف المطار وبإبتسامة عريضة يتمنى لي رحلة سعيدة

وقفت أمام مكتب شركة الطيران وفي إستقبالي آنسة جميلة ، رحبت بي باللغة الألمانية فرددت بالإنجليزية لتعيد الترحيب مرة أخرى باللغة الإنجليزية ، كأنها محاسَبَة على عدم سماعي وفهمي لترحيبها ، بعدها أردفت "أين ستكون وجهة سفرك اليوم ياسيدي؟" ، قدمت جواز سفري فتفضلت بالبحث في جهازها عن إسمي ورقم تذكرتي ومعلومات الرحلة ، رجتني أن أضع حقيبتي على سير الحقائب ولم أحتج طبعا إلى حمال ليقوم بذلك نيابة عني ، ثم شكرتني وقدمت لي بطاقات الصعود إلى الطائرة وشرحت أرقام البوابات وأوقات الصعود وبإبتسامة عريضة تمنت لي رحلة سعيدة

نظرت إلى ساعتي لأجد متسعا من الوقت لأخرج وأتفرج على الثلج المتساقط مرة أخرى ، فتلك كانت دائما أمنية لي منذ صغري ، وأمضيت بعض الوقت في سعادة غامرة كما الأطفال الصغار ، ثم عدت إلى داخل المطار متجها إلى صالة السفر الداخلية ، إستقبلتني سيدة بإبتسامة في مكتب الجوازات ، طلبت مني بطاقة صعود الطائرة وجواز السفر ومررتهما تحت القارىء الآلي في ثواني وبإبتسامة عريضة تمنت لي رحلة سعيدة

تجولت في صالة السفر قليلا لشراء بعض الشوكولا السويسرية الشهيرة لوالدتي وزوجتي ، وبعد إختيار العلب المناسبة شكلا وسعرا ، قدمتها للسيدة البائعة مع السؤال الإعتيادي - رغم تأكدي الدائم بقراءة المحتويات عن محتواها من الكحول ، أجابت بالنفي ووضعتها لي في كيس من البلاستيك ودفعت ثم قدمتها لي وبإبتسامة عريضة تمنت لي رحلة سعيدة.

توجهت إلى صالة السفر مرورا بمنطقة التفتيش ، وكالعادة أفرغت جميع محتويات جيوبي وحزامي وكل المعادن التي تثقل كاهلي في ذهابي وعودتي في وعاء البلاستيك وخلعت معطفي ثم مررت من جهاز كشف المعادن ، ولكن الجهاز للأسف رن ، توجه إلي موظف كبير في السن وأعتذر مني ثم طلب توجهي إلى التفتيش اليدوي ، خلال التفتيش قدم إعتذاره مرة أخرى عن قلة أدب الجهاز ثم طلب خلع حذائي في إستحياء شديد ، خلعت الحذاء فقام بحمله بنفسه ومرره في جهاز الأشعة وأعاده إلي بإعتذار أخير وبإبتسامة عريضة تمنى لي رحلة سعيدة

عند بوابة السفر وقفت أتفرج على منظر المطار ، الثلوج تتساقط بكثافة ، الجبال البعيدة مكسوة بالثلوج ، كل شيء تغير لونه تحت الإضاءة الخافتة والرمادية للشمس المختبئة وراء الغيوم ، والمطار كأنه خلية نحل ، طائرة تقلع من على الممر القريب ، وطائرة تستعد للإقلاع على الممر الآخر ، صف طويل من كاسحات الثلوج يتحرك لإزالة الثلوج عن مسارات السيارات ، كاسحة ثلج صغيرة تتجول تحت الطائرات الواقفة ، سيارة سحب تجر عربات الأمتعة التي غطيت بغطاء بلاستيكي لمنع الثلوج عنها ، سيارة تنقل ملاحي إحدى الطائرات ، سيارات التموين تفرغ حمولتها في الطائرات الواقفة ، سيارة وقود تمون طائرة بالوقود ، طائرة أخرى تتحرك بإتجاه ممر الطيران ، سيارة تدفع طائرة لتضعها في مسار الطائرات ، طائرة أخرى متجهة الى حيث مرش مذيب الثلوج قبل إقلاعها ، عمال النظافة ينزلون من طائرة قريبة ويتوجهون لطائرة أخرى ، سيارة تنتظرهم أسفل الطائرة لتقلهم ، كل شيء يسير بدقة الساعات السويسرية رغم الثلوج المتساقطة بكثافة

أعلنت المضيفة الأرضية عن البدء في صعود الركاب للطائرة ، تحدثت باللغتين الألمانية والإنجليزية ، طلبت أولا ركاب الدرجة السياحية من الصفوف الأخيرة في الطائرة ثم الذين يليهم ثم الذين يليهم إلى أول الصفوف ، تقدم الركاب في صف طويل ومنتظم ، يتحرك الصف بسرعة ليأتي دوري أخيرا فمقعدي في الصف الأول ، تقدمت حاملا كلا من بطاقة صعود الطائرة وجواز السفر ، مررت المضيفة بطاقة السفر تحت القارىء الآلي وتأكدت من مطابقة إسمي مع الجواز ، ثم قدمتهما لي مع إبتسامة عريضة وتمنت لي رحلة سعيدة

الرحلة كانت فعلا سعيدة من زيورخ إلى فرانكفورت والحمدلله ، تمكنت فيها من تجميع أفكاري وإستذكار أحداث هذا اليوم لألخصها لكم في هذا المقال ، عسى الله أن يريني يوما مثل هذا في إحدى رحلاتي داخل الوطن




حسام عابد أندجاني

في 28 يناير 2010م
في 13 صفر 1431هـ