الصفحة الرئيسية
من أنا
مقالات أخرى
وفاز أوباما
إنتهت الانتخابات الأمريكية بفوز ساحق للسيد باراك أوباما ، وأنتهى معها مسلسل جذب أنظار المتفرجين حول العالم أجمع ، كان المتابعون متلهفون لمعرفة النهاية ، والكثير يميل بإتجاه بطل المسلسل ذا الشعبية الجارفة والتي غلبت شعبية مهند في المسلسل التركي ، حتى أنني إكتشفت أن جدتي العجوز كانت تتابع أخبار الانتخابات وفرحت بفوز بطل المسلسل وقالت لي "يظهر أنه رجل طيب".

لقد حبس البطل الطيب أنفاس الجمهور حتى اللحظات الأخيرة ، وفاز بالرئاسة وعمت الأفراح أرجاء المعمورة ، كانت النهاية مثل نهايات الأفلام الأمريكية المثيرة ، أنتهى فيها البطل بالفوز وفاز الخير على الشر ، وظهرت الكلمة المشهورة "The End" وبدأ التتر في الظهور وخرج الجمهور الى الشارع ليتحدث عن الفيلم وملاحظاته عليه.

الجمهور العربي المتشوق الى مرحلة جديدة خرج يضحك على السيد بوش وحزبه ومن والاه ، وينتظر بفارغ الصبر مغادرته البيت الأبيض غير مأسوف عليه ، يقول لقد هزم بوش في ماكين وهزم ماكين بسبب بوش ، وليتنا من بعد نراه خائبا مدحورا.

ماكين ، هذا الرجل الصالح في عرف أهله ، المقاتل الصلب ، والأسير المحرر ، الرجل الوقور صاحب العقود السبعة من الخبرة والبأس الشديد ، الباذل لأجل بلده الكثير والكثير ، خسر أمام هذا الشاب الذي يصغره بأكثر من من ربع قرن ، والذي لم يخض حربا قط ، ولم يبذل قطرة دم لأجل بلده ، ولم ينتسب إليها الا بنسب أمه ، بل أنه أسود البشرة أفريقي الملامح في بلد لم يكن من أباءها المؤسسون غير البيض من السلالة المزكاة لقارة أوروبا.

ورغم كل الهجوم بين الطرفين خلال الحملة الانتخابية بين الطرفين ، لم يكن مؤذيا لنا نحن العرب أكثر من حديث إمرأة حديثا عفويا أرادت أن تصف به أوباما للتقليل من شأنه وحسبه ونسبه فوصفته بالعربي ، ولكون ماكين إبن الحسب والنسب لا يرضى حتى لخصمه أن يوصف بهذه التهمة القبيحة رد عليها بأنه رجل عائلة محترم ورغم الخلاف معه إلا أنه ليس عربيا ، حتى الخلاف لا يسمح أن يوصف السيد أوباما بصفة شنيعة وغير مقبولة ككونه عربي.

من المسؤول عن هذه النظرة الدونية للعرب؟ هل هو الدم العنصري الجاري في عروق الأمريكان؟ أم هو إعلامهم المتحيز تماما والذي إعتاد أن يظهر العرب على أنهم مثال الفكر الظلامي والإرهاب والبعد عن الحضارة؟ أم هو الكره الديني الموجود في كتبهم والمدرس في مناهجهم والمحفز من قبل أحبارهم وكهنتهم؟ ومن نحاسب على هذه اللقطة العفوية والرد العنصري من قبل رجل كان قاب قوسين أو أدنى من رئاسة أمريكا الحليف الإستراتيجي والقائد الوحيد للعالم؟.

الحقيقة المرة أننا نحن من سمحنا لأنفسنا أن نلقى الدنية ، تلك التي تصورها عمر رضي الله عنه يوم الحديبية ولم يتقبلها ، ولم تكن يومها دنية بل كانت فتحا أكدها الله سبحانه وتعالى بسورة من عنده ، نحن قبلناها ونقبلها ونتجرعها كل يوم ، وقمنا ننازع الناس إن تحدثوا عنها ، وأخفيناها عن ناظرينا فأنزلنا أعيننا الى الأرض لكي لا نراها ، فتنكست رؤوسنا وتحدبت ظهورنا.

نحن كالمهرجين في السيرك يضحك كل من حولنا علينا ، بنينا حائطا من زجاج يمكن الناس من التفرج علينا ونحن في داخله تائهون في بيت المرايا ندور لا نعلم مخرجا ، ولم نستفد من المرايا للنظر لأنفسنا فنكتشف ما نحن فيه ، بل أننا كلما أسرعنا الخطى أصطدمنا بأنفسنا أو صورتنا المعكوسة في المرايا وزاد تشوهنا وزاد الضحك من حولنا.

لانعلم بعد في أي عصر نعيش ، وليس لنا من مشاركة في الحضارة الا بقدر الحديث عن أباءنا وعلماءنا من مئات السنين الماضية ، قوتنا في أيدي غيرنا ، وإذا أستحوذنا على القليل من القوة قاتلنا به أخواننا ، مشغولون بما نلبس ونطهو والعالم حولنا مشغول بما يصنع ليزهو ، أمورنا قليل منه بأيدينا والأكثر سلمناه طواعية لمن نطلق عليهم أعداءنا ، إن أضفنا ، فإضافتنا في النمو العالمي تتجاوز الصفر بقليل والحق أننا مسؤولون في معظم الوقت عن التراجع.

نحن ندعي أننا أفضل الأمم على وجه الأرض ، حتى أننا غلبنا بني اليهود بكثرة إدعاءاتنا ، ورغم ذلك فكل إدعاءاتنا كاذبة ، ونفاقنا يدرس في مناهجنا ، فإدعاءات المساواة ، خرقتها دعاوي النسب ، وإدعاءات الوسطية ، هزمتها فتاوي تبيح القتل ، وإدعاءات إكرام المرأة شاهدها ما نفرضه من محاظير عليها ، وإدعاءات النزاهة هي الأكثر زيفا تظهرها مستويات الفساد المشهودة عندنا.

تمنيت لو لم أكن بهذه الصورة السوداوية ، والسواد هنا تعبير مجازي وليست نظرة عنصرية ، إنما إن أردنا حقا أن لا يستهزأ بنا ، فلننظر ولو للحظة الى أنفسنا ، ولنصلح الداخل لنحاجج به الخارج ، وليتنا ننشغل بما يصلح به أمرنا قبل أن نصارع الآخرين بما لا نملكه بين أيدينا ، فلن يضرنا ماقاله ماكين ، فالعالم سوف ينسى كل ماقاله وسوف ينسى إسمه وبطولاته عن قريب ، إنما الضرر الحقيقي هو ما نبثه نحن في داخلنا وما نجهزه لمستقبلنا.



حسام عابد أندجاني

في 7 نوفمبر 2008م
في 10 ذوالقعدة 1429هـ